ابن قيم الجوزية

147

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقد زعم بعض نفاة التحسين والتقبيح أن هذا متفق عليه ، وهو راجع إلى الملاءمة والمنافرة ، بحسب اقتضاء الطباع ، وقبولها للشيء ، وانتفاعها به ، ونفرتها من ضده . قالوا : وهذا ليس الكلام فيه . وإنما الكلام في كون الفعل متعلّقا للذم والمدح عاجلا ، والثواب والعقاب آجلا . فهذا الذي نفيناه ، وقلنا : إنه لا يعلم إلا بالشرع . وقال خصومنا : إنه معلوم بالعقل . والعقل مقتض له . فيقال : هذا فرار من الزحف . إذ هاهنا أمران متغايران لا تلازم بينهما . أحدهما : هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه وقبحه ، بحيث ينشأ الحسن والقبح منه ، فيكون منشأ لهما أم لا ؟ والثاني : أن الثواب المرتب على حسن الفعل ، والعقاب المرتب على قبحه ، ثابت - بل واقع - بالعقل ، أم لا يقع إلا بالشرع ؟ . ولما ذهب المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطلتم عليهم . وتمكنتم من إبداء تناقضهم وفضائحهم . ولما نفيتم أنتم الأصلين جميعا استطالوا عليكم . وأبدوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدوه . وهم غلطوا في تلازم الأصلين ، وأنتم غلطتم في نفي الأصلين . والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل : أنه لا تلازم بينهما ، وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة ، كما أنها نافعة وضارة . والفرق بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيات . ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي . وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحا موجبا للعقاب مع قبحه في نفسه ، بل هو في غاية القبح ، واللّه لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل ، فالسجود للشيطان والأوثان ، والكذب والزنى ، والظلم والفواحش ، كلها قبيحة في ذاتها ، والعقاب عليها مشروط بالشرع . فالنفاة يقولون : ليست في ذاتها قبيحة ، وقبحها والعقاب عليها إنما ينشأ بالشرع ، والمعتزلة تقول : قبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل . وكثير من الفقهاء من الطوائف الأربع يقولون : قبحها ثابت بالعقل . والعقاب متوقف على ورود الشرع ، وهو الذي ذكره سعد بن علي الزنجاني من الشافعية ، وأبو الخطاب من الحنابلة . وذكره الحنفية وحكوه عن أبي حنيفة نصا ، لكن المعتزلة منهم يصرحون بأن العقاب ثابت بالعقل . وقد دل القرآن أنه لا تلازم بين الأمرين . وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل . وأن الفعل نفسه حسن وقبيح . ونحن نبين دلالته على الأمرين : أما الأول : ففي قوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] وفي قوله : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النّساء : 165 ] وفي قوله : تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ( 9 ) [ الملك : 8 ، 9 ] فلم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل ، بل للنذر . وبذلك دخلوا النار . وقال تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ